مدخل تأسيسي:
تقوم العلاقة بين الأجير والمشغل على معادلة اقتصادية في ظاهرها، غير أنها في جوهرها علاقة إنسانية بالغة الدقة؛ يُسخر فيها الأجير طاقته وكفاءته وجزءا من حياته في سبيل تحقيق أهداف المقاولة، في حين يتوقع أن تصون المقاولة بدورها سلامته الجسدية والنفسية وكرامته الإنسانية. وهذا التوازن الدقيق بين العطاء والصون هو الذي يُشكل الأساس الأخلاقي والقانوني لكل تشريع اجتماعي رشيد.
بيد أن هذا التوازن يتعرض اليوم لاختلالات عميقة، تفرضها تحولات متسارعة في بنية الاقتصاد العالمي، وتداعيات العولمة، وإيقاع التطور التكنولوجي المتصاعد. ولم تعد المخاطر التي يتهدد الأجير من جرائها تقتصر على ما كانت الثورة الصناعية قد أفرزته من إصابات جسدية وأمراض مهنية مرتبطة بالآلات والمواد الكيميائية، بل امتدت هذه المخاطر لتطال الصحة النفسية للأجير بصورة باتت من الجسامة بحيث لا يصح معها السكوت أو التأجيل.
ذلك أن الصحة، وفق ما أرسته منظمة الصحة العالمية منذ دستورها الصادر عام 1948، ليست مجرد خلو من المرض العضوي، بل هي حالة من التكامل الجسدي والنفسي والاجتماعي. وقد تبنت منظمة العمل الدولية هذا المفهوم الموسع منذ عام 1950، مؤكدةً على أن الصحة في الوسط المهني تشمل أيضاً البُعد النفسي. إلا أن التشريعات الاجتماعية في كثير من الدول، ومنها المغرب، لم تواكب هذا التطور الجوهري في تحديد مفهوم الصحة المهنية.
من هذا المنطلق يسعى هذا المقال إلى تشريح الواقع القانوني للإصابة النفسية للأجير، بدءاً من استجلاء الأسباب الموضوعية التي تُنتجها، مروراً بتقييم كيفية تعامل المنظومة التشريعية المغربية معها، وانتهاءً بالتساؤل الجوهري: هل آن الأوان لإصلاح تشريعي يُنصف الأجير في صحته النفسية؟
أولا: التحولات الاقتصادية مولدة لمخاطر نفسية جديدة
1 – العولمة وإعادة رسم خريطة المخاطر المهنية
شهد عالم الشغل في العقود الأخيرة إعادة هيكلة جذرية، دفعت بالمقاولة نحو منطق التنافسية المحمومة والإنتاجية المتصاعدة، في ظل أزمات اقتصادية متتالية وضغوط تمويلية لا تهوادة فيها. ولم يكن الأجير بمعزل عن هذا الزلزال الهيكلي؛ إذ وجد نفسه أمام مطالب شغل متضاعفة، وإيقاع عمل متسارع، ومسؤوليات متراكمة، في ظل هشاشة عقدية وخوف مضمر من فقدان المنصب.
وقد أفضى هذا الواقع إلى ظهور مصطلحات في قاموس الشغل كانت غائبة من قبل: الإنهاك المهني أو ما بات يُعرف اليوم بـ«Burn out»، والضغط العصبي، والقلق المهني المزمن، والاكتئاب الوظيفي، وسواها من الحالات النفسية التي تجد منشأها في المحيط المهني قبل أي سبب آخر. وهكذا تحولت بيئة الشغل من فضاء إنتاجي إلى فضاء قد يكون مُنتِجاً للمرض النفسي بالأساس.
2 – عوامل توليد الأذى النفسي في الوسط المهني
لا يُصاب الأجير بالمرض النفسي من فراغ؛ فثمة منظومة من العوامل المتشابكة تعمل على استنزاف طاقته النفسية وتدمير توازنه الداخلي. يمكن تصنيف هذه العوامل على النحو الآتي:
على صعيد ظروف العمل الموضوعية: يتعرض الأجير لعبء شغل مفرط، وضيق أوقات الإنجاز، وكثرة التنقلات ومشاق الطريق، وصعوبة اتخاذ القرار تحت وطأة الرقابة اللصيقة. وعلى صعيد بيئة العلاقات داخل المقاولة: تمارَس عليه أحياناً ضغوط لا تخلو من قسوة وتشدد، أو يتعرض لتحرش معنوي أو جنسي يفقده طمأنينته ويزعزع ثقته بنفسه. أما على الصعيد الوجودي: فإن انعدام الأمن الوظيفي وشبح الفصل والخوف من الاستبدال يُلقيان بثقلهما النفسي الشديد على الأجير وعلى مردوديته في العمل.
إن الأجير الذي يعاني ضغطاً نفسياً متراكماً لا يخسر صحته وحده، بل تخسر المقاولة معه جزءاً جوهرياً من طاقتها الإنتاجية وتماسكها الداخلي.
ومن ثَم، فإن المقاولة الناجحة في التشريعات المقارنة الحديثة لم تعد تُقاس بحجم إنتاجها فقط، بل بمدى حرصها على الصحة النفسية لعمالها وتهيئتها لبيئة شغل آمنة نفسياً واجتماعياً.
ثانياً: المرض النفسي بوصفه واقعاً مهنياً موضوعياً
1 – تمييز المرض النفسي المهني عن غيره
لا يقوم منطق التشريع الاجتماعي على مجرد الاعتراف بالمرض، بل على تحديد المسؤولية وربط الضرر بمصدره. ومن هنا تكتسب مسألة إسناد المرض النفسي إلى الشغل أهميتها القانونية البالغة. فالمرض الذي يعاني منه الأجير قد يكون عادياً لا صلة له بالمهنة، وفي هذه الحالة يستفيد صاحبه من تعويضات الضمان الاجتماعي المحددة زمنياً بـ 26 أسبوعاً، وكذا من التأمين الإجباري عن المرض (AMO). أما إذا ثبتت العلاقة السببية بين الحالة النفسية للأجير وظروف شغله، فإن التكييف القانوني للإصابة ينبغي أن يأخذ مساراً مغايراً تماماً.
والمرض النفسي ذو المنشأ المهني يتميز بخصائص جوهرية تُفرقه عن المرض العادي: فهو لا ينشأ من عدوى ميكروبية أو ضعف بنية جسدية، بل يتراكم تدريجياً من تراكم الضغوطات المهنية وتحولها إلى اضطراب نفسي متجذّر. كما أن فترة علاجه قد تمتد من أسابيع إلى شهور وأحياناً سنوات، مما يجعل حمايته بأحكام المرض العادي غير كافية ولا عادلة.
2 – انعكاسات الإصابة النفسية على عقد الشغل
حين يمتد عجز الأجير عن ممارسة شغله لأسباب نفسية، يصطدم بمقتضيات مدونة الشغل المغربية التي تُجيز للمشغل اعتبار الأجير مستقيلاً متى تجاوز العجز الصحي 180 يوماً في السنة. وهذا المقتضى، رغم منطقه من حيث إدارة المقاولة، يُفضي إلى نتيجة صادمة: الأجير الذي يعاني مرضاً سببه الشغل ذاته يُعاقب بفقدانه لهذا الشغل.
ثم تظهر إشكالية أشد حساسية: أجير يُدفع إلى الانتحار بسبب اكتئاب مهني متراكم؛ فهل يُعدّ المنتحر متسبباً عمداً في الإضرار بنفسه، فيُحرم ذووه من أي تعويض وفق مقتضيات الفصل 155 من ظهير 29 ديسمبر 2014؟ أم أن ثمة منطقاً قانونياً إنسانياً أرقى ينبغي تفعيله، يربط سبب الوفاة بمنشئه المهني ويُعيد توصيف الانتحار باعتباره حادثة شغل مميتة متى ثبتت العلاقة السببية؟
إذا ثبت أن الشغل هو السبب في المرض النفسي الذي أودى بحياة الأجير، فإن العدالة تقتضي اعتبار ذلك حادثة شغل لا انتحاراً، وإلا كنا نُضيف إلى ألم الأسرة ظلماً قانونياً فادحاً.
ثالثا: الفراغ التشريعي المغربي في مواجهة الإصابة النفسية المهنية
1 – قصور مدونة الشغل وجداول الأمراض المهنية
يكشف الفحص الدقيق للمنظومة التشريعية الاجتماعية المغربية عن فراغ مُقلق: فمدونة الشغل، رغم حداثتها النسبية، لم تُشِر صراحةً إلى الصحة النفسية للأجير، ولم تُقر بالمخاطر المهنية النفسية الجديدة التي فرضتها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
وتزداد الصورة قتامةً حين ننظر إلى جداول الأمراض المهنية المضافة إلى ظهير 31 ماي 1943 بموجب قرار وزير التشغيل رقم 14/160 الصادر في 21 يناير 2014؛ إذ لا نجد فيها أثراً للتوتر النفسي أو الضغط العصبي أو الاكتئاب أو القلق المزمن أو الإنهاك المهني. ومؤدى ذلك أن المرض النفسي المهني لا يزال إلى الآن يُعامَل معاملة المرض العادي من حيث التعويض والحماية.
وكذا فإن ظهير 29 ديسمبر 2014 المنظِّم لحوادث الشغل لم يتوسع في مفهوم الحادثة ليشمل الأذى النفسي المتراكم، مما يُبقي الأجير المُصاب نفسياً بسبب شغله في منطقة رمادية ضبابية لا يكفله فيها نص قانوني صريح.
2 – التشريع المقارن: دروس ينبغي استيعابها
في المقابل، سلكت بعض التشريعات المقارنة مسارات رائدة في هذا الشأن. فقانون الشغل السويدي مثلاً صنّف المرض النفسي المهني ضمن الأمراض المهنية، مانحاً الأجير المُصاب حماية شاملة ومستدامة. أما قانون الشغل الفرنسي فذهب إلى حل آخر لا يخلو من براغماتية قانونية، إذ يُعامِل الأجير المُصاب بمرض نفسي بسبب شغله معاملة مَن تعرّض لحادثة شغل، مما يُتيح له الاستفادة من كامل منظومة التعويضات المرتبطة بتلك الحوادث.
وفي كلتا الحالتين، يتجلى المبدأ ذاته: متى قامت علاقة سببية مُثبتة بين الحالة النفسية للأجير وظروف شغله، وجب تحميل المشغل المسؤولية القانونية عن هذه الإصابة، وضمان حق الأجير في التعويض الكامل وحمايته من الفصل التعسفي طيلة مدة علاجه.
خاتمة: نحو تشريع اجتماعي ينصف صحة الأجير النفسية
تكشف القراءة المركّبة لهذه الإشكالية أن الفجوة بين الواقع الذي يعيشه الأجير المغربي في وسطه المهني وبين ما يكفله له القانون لا تزال واسعة. وردم هذه الفجوة لا يكون بتعديلات شكلية أو إضافات هامشية، بل يستوجب مراجعة منهجية شاملة ترتكز على ثلاثة محاور متكاملة:
المحور الأول هو تبنّي التعريف الموسَّع للصحة المهنية وإدراج الصحة النفسية صراحةً في مدونة الشغل باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من واجبات المشغل في توفير بيئة شغل سليمة. والمحور الثاني هو تحديث جداول الأمراض المهنية لتشمل الإصابات النفسية ذات المنشأ المهني، كالإنهاك المهني والاكتئاب الوظيفي والقلق المزمن الناجم عن ظروف الشغل. أما المحور الثالث فهو التوسع في مفهوم حادثة الشغل ليستوعب حالات الصدمة النفسية الحادة والانتحار المرتبط بالوسط المهني متى ثبتت العلاقة السببية، مما يكفل لذوي الضحايا حقوقهم التعويضية المشروعة.
إن تدخل المشرع الاجتماعي في هذا الشأن لم يعد رفاهية فقهية، بل غدا ضرورة إنسانية وقانونية واقتصادية في آنٍ واحد. وإذا كان قانون الشغل يُعدّ بحق قانون المجتمع بامتياز، فإن المجتمع يحتاج اليوم إلى قانون شغل يُؤمن بأن صحة الأجير النفسية ليست ترفاً، بل هي شرط جوهري للكرامة الإنسانية وركيزة أساسية لإنتاجية مستدامة وعادلة.
التصنيفات: مقالات قانونية
