حدود صلاحيات وكيل اتحاد الملاك في تدبير الملكية المشتركة
قراءة في الحكم الاستعجالي الصادر عن المحكمة الابتدائية بالناظور بتاريخ 21 أبريل 2026
ملف رقم 2026/1101/1
ملخص:تُثير قضية حدود صلاحيات السانديك في الملكية المشتركة جدلاً قانونياً متجدداً في ظل التوسع العمراني بالمدن المغربية، وقد جاء الحكم الاستعجالي الصادر عن المحكمة الابتدائية بالناظور بتاريخ 21 أبريل 2026 ليرسي مبدأً فاصلاً في هذا الشأن، تتناول هذه الدراسة حكماً استعجالياً صادراً عن المحكمة الابتدائية بالناظور، يعالج إشكالية جوهرية في نظام الملكية المشتركة، تتمحور حول مدى مشروعية لجوء وكيل اتحاد الملاك إلى حرمان أحد الملاك من الانتفاع بالأجزاء المشتركة – كالمصعد والمرآب – استجابة لخلاف مالي يتعلق بعدم أداء المساهمات الشهرية. وقد انتهى الحكم إلى أن مثل هذا الإجراء يشكل ضرراً حالاً ومستمراً يبرر التدخل الاستعجالي، مؤكداً أن القانون رقم 18.00 لا يخوّل وكيل اتحاد الملاك صلاحية فرض عقوبات أحادية الجانب في مواجهة الملاك، وأن المسلك القانوني الوحيد المتاح لتحصيل المستحقات المالية هو اللجوء إلى القضاء الموضوعي.
أولاً: تمهيد وإطار إشكالي
يعدّ نظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية من أكثر الأنظمة القانونية تعقيداً وإثارة للنزاعات في ظل التحولات العمرانية المتسارعة التي تشهدها المدن المغربية. وقد أفرز التوسع في بناء المجمعات السكنية المشتركة جملة من الإشكاليات التدبيرية، لعل أبرزها تنازع الحقوق بين الملاك أنفسهم من جهة، وبينهم وبين وكيل اتحاد الملاك من جهة أخرى.
وتقوم العلاقة بين الملاك في إطار الملكية المشتركة على ثنائية دقيقة: فكل مالك يتمتع بحق استئثاري على الجزء المفرز المخصص له، في حين يشترك مع سائر الملاك في الانتفاع بالأجزاء المشتركة التي لا تقوم الملكية الخاصة إلا بها وبسببها. وهذه الثنائية بالذات هي التي تشكل المحور الذي يدور حوله الحكم موضوع هذه الدراسة.
فالإشكالية القانونية التي طرحت على المحكمة الابتدائية بالناظور تتمحور حول سؤال جوهري: هل يملك وكيل اتحاد الملاك، في مواجهة مالك مقصر في أداء مساهماته المالية، صلاحية حرمانه من الانتفاع بالأجزاء المشتركة كالمصعد والمرآب بوصفها آلية ضغط لتحصيل الديون؟ وما الحدود الفاصلة بين صلاحياته التدبيرية المشروعة وما يمثل تجاوزاً للسلطة الممنوحة له قانوناً؟
ثانياً: وقائع النازلة وسياقها الإجرائي
تتلخص وقائع هذه النازلة في أن أحد ملاك الشقق داخل عمارة خاضعة لنظام الملكية المشتركة بمدينة الناظور تقدم بدعوى استعجالية، يفيد فيها بأنه حرم من بطاقة تشغيل المصعد ومفتاح المرآب المخصص للسيارات دون مسوغ قانوني، وذلك رغم كونه مالكاً شرعياً مسجلاً يتمتع بجميع حقوق الانتفاع المقررة قانوناً. وقد أكد المدعي أن هذا المنع تسبب له في أضرار مادية ومعنوية يومية مستمرة، تمثلت في عجزه عن الوصول إلى شقته بيسر، واضطراره إلى إيقاف سيارته خارج الإقامة في غياب البديل.
وفي مرحلة التداول، دفع المدعى عليه بوجود التزامات مالية متأخرة في ذمة المدعي تجاه اتحاد الملاك، مستنداً إلى هذه الالتزامات لتبرير الإجراء المتخذ بحقه. وهو دفع يعكس تصوراً شائعاً في بعض أوساط تدبير الملكية المشتركة، مفاده أن للسانديك سلطة تقديرية واسعة تجيز له ربط الانتفاع بالخدمات المشتركة بانتظام الأداء المالي. غير أن المحكمة لم تقبل هذا التصور، وردّته من أساسه.
ثالثاً: التحليل القانوني للحكم
انطلقت المحكمة في تحليلها من التمييز البنيوي الذي يقوم عليه نظام الملكية المشتركة بين نوعين من الحقوق: حق الملكية الاستئثارية على الجزء المفرز، وحق الشيوع في الأجزاء المشتركة. وقد أكدت أن كلا الحقين متلازمان من الناحية القانونية بحيث لا يقوم أحدهما دون الآخر؛ إذ لا معنى لملكية شقة معزولة عن الانتفاع بالمرافق التي تمكن من الوصول إليها واستعمالها.
ومن هذا المنطلق، رأت المحكمة أن حرمان المالك من المصعد والمرآب لا يمثل مجرد تقييد لخدمة إضافية، بل هو مساس مباشر بحق الانتفاع الذي هو جوهر الملكية ذاتها، وهو موقف يتسق مع ما استقر عليه الفقه والقضاء من أن الأجزاء المشتركة وضعت لخدمة الأجزاء المفرزة وتكملتها، فلا يجوز تحويلها إلى أداة عقاب أو وسيلة ابتزاز مالي. ويستند هذا التوجه القضائي إلى أحكام القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، الذي يضمن لكل مالك حق الانتفاع بالأجزاء المشتركة بصرف النظر عن وضعه المالي.
أما على صعيد اختصاص القضاء الاستعجالي، فقد أسست المحكمة قضاءها على ركيزة الضرر الحال والمستمر، مستندة إلى الطابع اليومي المتجدد للأضرار التي يتعرض لها المدعي جراء الحرمان من هذه الخدمات. وهو ما يستوفي شرط الاستعجال المقرر في قانون المسطرة المدنية، دون أن يفضي التدخل القضائي إلى المساس بأصل الحق أو الفصل في موضوع الخلاف المالي بين الطرفين.
والأهم في هذا الحكم أنه يرسي قاعدة مفادها أن الصلاحيات التدبيرية لوكيل اتحاد الملاك، مهما اتسعت في الجانب الإداري، تظل مقيدة بمبدأ المشروعية ومحكومة بالنصوص المحددة لها حصراً في القانون رقم 18.00. وعليه، فإن كل إجراء يتخذه السانديك خارج هذا الإطار القانوني، ولا سيما ما ينطوي على حرمان مالك من حقوقه الأصيلة، يكون موقوفاً على إذن قضائي أو قرار جماعي مستوفٍ للشروط القانونية، وإلا وقع في دائرة التجاوز والتعسف في استعمال السلطة.
رابعاً: منطوق الحكم ودلالاته
انتهت المحكمة إلى قبول الطلب شكلاً وموضوعاً، وأصدرت أمرها بإلزام وكيل اتحاد الملاك بتمكين المدعي من بطاقة صالحة لاستعمال مصعد العمارة وتسليمه مفتاح المرآب المخصص للسيارات، وذلك تحت طائلة غرامة تهديدية قدرها مائتا درهم عن كل يوم تأخير في التنفيذ، مع التصريح بشمول الأمر بالنفاذ المعجل القانوني وتحميل المدعى عليه الصائر، ورفض باقي الطلبات.
ولا تقتصر دلالة هذا الحكم على الترتيب القانوني الذي أرساه في موضوع الملكية المشتركة، بل تمتد إلى البعد المنهجي المتعلق بمنهج قاضي الاستعجال في تحديد نطاق تدخله وضبط علاقة التدابير الوقتية بالحقوق الموضوعية. فقد أبان الحكم عن وعي دقيق بالفصل بين رفع الضرر العاجل والفصل في أصل النزاع، وهو توازن يجسد المفهوم الصحيح للقضاء الاستعجالي في ضوء المنظومة الإجرائية المغربية.
خامساً: خلاصة واستنتاجات
يمثل الحكم الاستعجالي الصادر عن المحكمة الابتدائية بالناظور بتاريخ 21 أبريل 2026 إسهاماً قضائياً ذا قيمة في تأصيل الإطار القانوني للملكية المشتركة بالمغرب. وتتجلى أبرز استنتاجاته في ثلاثة محاور جوهرية: أولها أن الانتفاع بالأجزاء المشتركة حق أصيل لصيق بحق الملكية لا يقبل التعطيل بقرار أحادي. وثانيها أن وكيل اتحاد الملاك لا يملك صلاحية العقاب الانفرادي في مواجهة الملاك المدينين خارج الإطار القانوني. وثالثها أن القضاء الاستعجالي هو السبيل الناجع لرفع الضرر الحال دون المساس بأصل الحق في النزاعات المالية الناجمة عن علاقات الملكية المشتركة.
وفي المحصلة، يدعو هذا الحكم إلى إعادة النظر في الممارسات السائدة في تدبير اتحادات الملاك، واستحضار الوعي القانوني الكافي بحدود الصلاحيات الممنوحة لوكلائها؛ إذ إن الخلاف المالي – مهما كانت مشروعيته – لا يعدّ سنداً قانونياً كافياً لتقييد حق دستوري أصيل كحق الملكية وما يتفرع عنه من حق الانتفاع والاستعمال.
المراجع والمستندات
- القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.298 بتاريخ 3 أكتوبر 2002، الجريدة الرسمية عدد 5054 بتاريخ 23 مارس 2003.
- المحكمة الابتدائية بالناظور، حكم استعجالي عدد 2026/1101/1، بتاريخ 21 أبريل 2026، غير منشور.
- المادة 18 من القانون رقم 18.00 تحدد اختصاصات وكيل اتحاد الملاك على سبيل الحصر، دون أن تخوله صلاحية تعليق خدمات الأجزاء المشتركة.
- المادة 149 من قانون المسطرة المدنية المغربية المتعلقة باختصاص رئيس المحكمة الابتدائية بالفصل في الطلبات الاستعجالية التي لا تمس أصل الحق.
التصنيفات: مقالات قانونية
