الحجز لدى الغير على الحسابات البنكية

الحجز لدى الغير على الحسابات البنكية في المغرب وفق قانون المسطرة المدنية 58.25

الحجز لدى الغير على الحسابات البنكية

تقديم

يشكل الحجز لدى الغير على الحسابات البنكية إحدى أنجع وسائل التنفيذ الجبري؛ إذ يسمح للدائن بالوصول إلى أموال مدينه دون البحث عن منقولاته أو عقاراته، وذلك من خلال تجميد المبالغ المودعة باسمه لدى مؤسسة بنكية، تمهيداً لتخصيصها للوفاء بالدين. وتنبع فعالية هذه الوسيلة من المفاجأة والسرعة: فبمجرد تبليغ الحجز إلى البنك يصبح هذا الأخير ملزماً بعدم تمكين العميل المحجوز عليه من الأموال التي شملها الحجز، كما يتحمل واجب التصريح بما في ذمته داخل الأجل القانوني.

غير أن هذه الفعالية قد تتحول إلى مصدر ضرر بالغ متى شمل الحجز مبالغ تفوق الدين، أو أموالا غير قابلة للحجز، أو حساباً مشتركا، أو رصيدا مصدره نفقة أو راتب لا يقبل الحجز إلا في حدود معينة. لذلك حاول القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية إقامة توازن بين حق الدائن في تنفيذ سنده وبين حماية المدين والغير المحجوز لديه من الحجز التعسفي أو المفرط.

ويطرح الموضوع الإشكالية الآتية:

إلى أي حد أعاد القانون رقم 58.25 تنظيم الحجز لدى الغير على الحسابات البنكية بما يضمن سرعة التنفيذ، دون الإخلال بحقوق المدين والتزامات المؤسسة البنكية المحجوز لديها؟

للإجابة عن هذه الإشكالية، سنعرض أولا شروط ومسطرة إيقاع الحجز على الحساب البنكي، ثم نتناول آثاره بالنسبة إلى البنك والمدين والدائن، مع الاستئناس بالتوجهات القضائية المتكونة في ظل القانون السابق، بالقدر الذي يظل منسجماً مع المقتضيات الجديدة.

أولاً الإطار القانوني للحجز على الحساب البنكي

نظم القانون رقم 58.25 الحجز لدى الغير في المواد من 572 إلى 583، ضمن الباب الخامس المتعلق بطرق التنفيذ الجبري.

وتقرر المادة 572 أنه:

«يمكن لكل دائن يتوفر على دين ثابت وحال الأداء، إجراء حجز بين يدي الغير على مبالغ وسندات لمدينه والتعرض على تسليمها له».

وبذلك يقوم الحجز لدى الغير على ثلاثة أطراف:

ويستفاد من ذلك أن البنك لا يكون خصماً أصلياً في النزاع الموضوعي بين الدائن والمدين، وإنما يصبح طرفاً في مسطرة التنفيذ بسبب حيازته أموالاً أو قيماً عائدة إلى المدين.

وقد عرّف الفقه الحجز لدى الغير بأنه الإجراء الذي يعترض به الدائن على تسليم الأموال أو القيم المملوكة لمدينه والموجودة بين يدي شخص ثالث، تمهيداً للحصول عليها في حدود دينه. كما استقر التحليل الفقهي والقضائي على الطبيعة المزدوجة لهذا الحجز: فهو يبدأ بإجراء تحفظي يؤدي إلى تجميد الأموال، ثم يتحول إلى إجراء تنفيذي ينتهي بتسليمها إلى الدائن متى استند الحجز إلى سند تنفيذي أو صدر حكم بصحته. ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى الدراسة المقارنة المنشورة بعنوان La saisie-arrêt en droit marocain quelle particularité.

المبحث الأول شروط الحجز لدى الغير على الحساب البنكي

المطلب الأول شروط الدين سبب الحجز

تشترط المادة 572 أن يكون الدين ثابتاً وحال الأداء.

أولاً ثبوت الدين

يقصد بالدين الثابت أن يكون وجوده قائماً على أساس جدي، وألا يكون مجرد ادعاء احتمالي أو مطالبة غير مؤيدة بأي سند.

ولا يعني الثبوت دائماً أن يكون الدائن حائزاً حكماً نهائياً؛ لأن المادة 575 تجيز إيقاع الحجز في حالتين:

فإذا لم يكن بيد الدائن سند تنفيذي، وجب عليه تقديم طلب إلى رئيس المحكمة، مرفقاً بالمستندات التي تبين بصورة ظاهرة وجود الدين وجديته.

ولا يحسم الأمر الصادر بالحجز وجود الدين بصورة نهائية، وإنما يسمح بإجراء تحفظي مؤقت حمايةً لحق الدائن إلى حين عرض النزاع على محكمة الموضوع في إطار دعوى المصادقة.

ثانياً حلول أجل الأداء

لا يكفي أن يكون الدين موجوداً، بل يجب أن يكون حال الأداء. لذلك لا يجوز، من حيث الأصل، توقيع الحجز استناداً إلى دين مؤجل لم يحل أجله، أو إلى التزام معلق على شرط لم يتحقق.

أما إذا فقد المدين حقه في الأجل، وفقاً للقواعد العامة، أو أصبح الدين مستحقاً بسبب تحقق الشرط أو حلول التاريخ المتفق عليه، أمكن اتخاذ الحجز.

ثالثاً تحديد مبلغ الدين

رغم أن المادة 572 استعملت عبارتي الثبوت وحلول الأداء، فإن تحديد مبلغ الدين يظل ضرورياً عملياً؛ لأن المادة 576 أوجبت بيان:

كما قررت المادة 583 عدم جواز امتداد الحجز إلى أكثر مما هو ضروري لضمان الوفاء بالدين. ومن ثم لا يمكن إيقاع حجز عام وغير محدد على جميع الأموال البنكية للمدين دون بيان الحد المالي المطلوب ضمانه.

المطلب الثاني السند القانوني لإيقاع الحجز

ميز القانون الجديد بين الحجز المبني على سند تنفيذي والحجز المبني على أمر رئيس المحكمة.

أولا الحجز بناء على سند تنفيذي

إذا كان الدائن يتوفر على حكم أو مقرر أو محرر يتمتع بالقوة التنفيذية، جاز له إيقاع الحجز مباشرة بواسطة المكلف بالتنفيذ، دون الحاجة إلى استصدار إذن جديد من رئيس المحكمة.

ويتعين أن يكون السند قابلاً للتنفيذ، وأن يحدد الالتزام المالي المراد اقتضاؤه. فإذا أُلغي السند التنفيذي أو زال أثره، فقد الحجز أساسه القانوني، وأصبح من المتعين رفعه.

وقد استقر الاتجاه القضائي السابق على أن إلغاء الحكم أو السند الذي بني عليه الحجز يؤدي إلى سقوط الأساس الذي يستند إليه، وهو توجه يظل منسجماً مع القانون الجديد.

ثانيا الحجز بناء على أمر رئيس المحكمة

إذا لم يكن الدائن يتوفر على سند تنفيذي، جاز له طلب الإذن بالحجز من رئيس المحكمة، على أن يقدم ما يثبت جدية الدين وثبوته الظاهر وحلول أجله.

ويصدر الأمر بشرط الرجوع إلى رئيس المحكمة عند وجود صعوبة، وفق المادة 575.

غير أن الأمر لا يمنح الدائن حق تسلم الأموال مباشرة؛ إذ يظل الحجز في هذه الحالة ذا طبيعة تحفظية، ويلزم الحاجز برفع دعوى المصادقة عليه داخل الأجل المقرر في المادة 581.

المطلب الثالث الأموال البنكية القابلة للحجز

يشمل الحجز، من حيث الأصل:

ولا يقع الحجز على رقم الحساب باعتباره مجرد وعاء مصرفياً، وإنما على حق العميل في مواجهة البنك، أي على الرصيد الدائن الموجود أو المستحق في حدود مبلغ الحجز.

أما إذا كان الحساب مديناً يوم الحجز، فلا يكون البنك مديناً للعميل بمبلغ قابل للتسليم. ويكون تصريحه، مبدئياً، سلبياً، ما لم توجد حسابات أو ودائع أخرى باسم المحجوز عليه.

الأموال غير القابلة للحجز

استثنت المادة 572 عدداً من الأموال، منها:

ولا تفقد المبالغ صفتها المحمية لمجرد تحويلها إلى حساب بنكي، متى أمكن إثبات مصدرها وتتبعها. فإذا كان الحساب يتغذى، مثلاً، بمبالغ نفقة مخصصة للأطفال، جاز للمحجوز عليه طلب استبعادها أو رفع الحجز عنها.

وقد تناولت الاجتهادات المقارنة حالة الحساب البنكي المختلط الذي يتلقى أموالاً خاصة إلى جانب مبالغ نفقة، وانتهت إلى ضرورة تحديد الجزء غير القابل للحجز وخصمه من المبلغ الإجمالي، بدل رفع الحجز عن كامل الحساب أو الإبقاء عليه كاملاً. وقد عرضت الدراسة القانونية المشار إليها هذا التوجه ضمن مناقشة الأموال المودعة في الحسابات البنكية.

المبحث الثاني مسطرة إيقاع الحجز على الحساب البنكي

المطلب الأول تحرير محضر الحجز

أوجبت المادة 576 أن يتضمن محضر الحجز لدى الغير البيانات التالية:

ويرفق المحضر بنسخة من السند التنفيذي أو الأمر الذي تم الحجز بمقتضاه.

وتبدو أهمية هذه البيانات بصورة أوضح في الحجز البنكي؛ إذ يجب أن تمكن البنك من التعرف الدقيق على المحجوز عليه. ولهذه الغاية، يستحسن أن يتضمن المحضر، كلما كانت البيانات متوفرة:

ولا ينبغي اعتبار رقم الحساب شرطاً لازماً في جميع الحالات متى أمكن تحديد العميل تحديداً لا لبس فيه، لأن محل الحجز هو أموال المدين لدى البنك، وليس رقم حساب بعينه. غير أن ذكره يقلل من احتمال الخطأ أو الخلط بين العملاء.

المطلب الثاني أسبقية تبليغ البنك

تقرر المادة 577 تبليغ الأمر بإجراء الحجز أو نسخة السند التنفيذي إلى المحجوز لديه أولاً، ثم تبليغ الأمر أو محضر الحجز إلى المحجوز عليه.

وهذا الترتيب مقصود؛ إذ لو تم إشعار المدين قبل البنك لأمكنه سحب الرصيد أو تحويله قبل تجميده.

وبذلك تمر عملية التبليغ وفق الترتيب الآتي:

  1. الانتقال إلى المؤسسة البنكية وتبليغها بالسند أو الأمر ومحضر الحجز؛
  2. إثبات تاريخ وساعة توصلها؛
  3. تنبيهها إلى الامتناع عن تسليم الأموال؛
  4. تكليفها بالتصريح داخل ثمانية أيام؛
  5. تبليغ المحجوز عليه بعد إنجاز الحجز لدى البنك.

وتبدأ آثار عدم التصرف بالنسبة إلى البنك من وقت توصله بالحجز، لا من تاريخ إخبار العميل به.

ويتعين على المفوض القضائي تحديد الجهة التي تسلمت الإجراء داخل البنك وصفتها، وتاريخ وساعة التبليغ، لما للأسبقية الزمنية من أهمية عند تعدد الحجوز أو وقوع تحويلات متزامنة.

المطلب الثالث مكان تبليغ الحجز إلى البنك

يطرح العمل البنكي الحديث إشكالاً مرتبطاً بتعدد الوكالات ووحدة الشخص الاعتباري. فقد يكون الحساب مفتوحاً لدى وكالة معينة، بينما يقع تبليغ الحجز إلى وكالة أخرى أو إلى المقر المركزي للبنك.

ويتعين التمييز بين أمرين:

وقد أثير في الاجتهاد السابق أن توجيه الحجز إلى مؤسسة أو وكالة لا تمسك أي حساب للمدين ولا توجد لديها أموال باسمه قد يؤدي إلى عدم ترتيب أثر الحجز، إذا تعذر اعتبارها حائزة للأموال موضوعه.

أما مع مركزية الأنظمة البنكية، فقد أصبح من الممكن تقنياً تعميم الحجز داخل شبكة البنك بمجرد التوصل به في مقر أو وكالة مخولة، لكن الأمان الإجرائي يقتضي توجيهه إلى:

ويرتبط الحجز كذلك بمبدأ إقليمية إجراءات التنفيذ. فالحساب المفتوح لدى بنك خارج المغرب لا يمكن، من حيث الأصل، حجز رصيده بمجرد توجيه إجراء إلى المقر المغربي للبنك أو للشركة الأم، بل يخضع الحجز لقانون ومسطرة الدولة التي فتح فيها الحساب. وهذا ما أكدته دراسة الحجز لدى الغير في القانون المغربي، التي أبرزت أن حجز الحساب البنكي يتم وفق قانون مكان فتح الحساب.

المطلب الرابع قيد الحجز وإشعار الأطراف

توجب المادة 578 قيد كل حجز لدى الغير بكتابة الضبط، بتاريخه، في سجل خاص.

وتظهر أهمية القيد عند تعدد الدائنين، لأنه يسمح بـ:

وإذا تدخل دائنون آخرون، قيد طلبهم في السجل الخاص متى كان موقعاً ومصحح الإمضاء ومرفقاً بالمستندات التي تسمح بتقدير الدين.

ويتولى كاتب الضبط إشعار المدين المحجوز عليه والغير المحجوز لديه بالحجز داخل أجل ثمان وأربعين ساعة، وفق ما يستفاد من المادة 578.

المبحث الثالث تصريح المؤسسة البنكية بما في ذمتها

المطلب الأول مضمون التصريح وأجله

تلزم المادة 579 البنك بالتصريح بما في ذمته داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ تبليغه بالحجز.

ويجب أن يكون التصريح مرفقاً بالوثائق المثبتة أو النافية للمديونية.

ويتعين أن يبين التصريح، بحسب الحالة:

ولا يجوز للبنك الاكتفاء بتصريح غامض من قبيل «العلاقة قائمة» أو «الحساب غير متوفر»، متى كان القانون يوجب بيان حقيقة ما في الذمة وإرفاق الوثائق المثبتة أو النافية.

وفي المقابل، لا يمتد واجب التصريح إلى كشف جميع معاملات العميل أو حركات حسابه خارج ما تقتضيه المسطرة؛ لأن الإفصاح يجب أن يبقى في حدود غاية الحجز ومبلغه، احتراماً للسر البنكي والمعطيات الشخصية.

المطلب الثاني جزاء عدم التصريح

استحدث القانون الجديد مسطرة متدرجة عند امتناع البنك أو تأخره عن التصريح.

فإذا لم يقدم المحجوز لديه تصريحه داخل الأجل الأول، يحرر المكلف بالتنفيذ، بطلب من طالب الحجز، محضراً جديداً:

فإذا انقضى الأجل الثاني دون تصريح، أمكن الحكم على البنك بأداء المبلغ الذي كان موجوداً بين يديه وقت تبليغه بالحجز.

ويظهر من ذلك أن الجزاء لا يطبق آلياً بمجرد انقضاء الأجل الأول، بل يسبقه إنذار جديد يمنح المحجوز لديه فرصة ثانية لتصحيح وضعه.

كما أن مسؤوليته لا ينبغي أن تتجاوز المبلغ الذي كان في ذمته فعلاً عند التبليغ؛ فلا يتحول الجزاء إلى وسيلة لإلزام البنك بدين يفوق ما كان يحوزه للمدين.

المطلب الثالث حالات إعفاء البنك من التصريح

تعفي المادة 579 المحجوز لديه من التصريح في حالتين:

ويؤدي الإيداع إلى نقل أثر الحجز من الأموال الموجودة لدى البنك إلى المبلغ المودع بصندوق المحكمة، مما يسمح بتحرير الحساب البنكي في الحدود التي يغطيها الإيداع.

المبحث الرابع آثار الحجز على الحساب البنكي

المطلب الأول تجميد الرصيد ومنع التصرف فيه

يترتب على تبليغ الحجز إلى البنك تجميد المبالغ الموجودة لديه في حدود مبلغ الدين وفوائده ومصاريفه.

ولا يعني الحجز، من حيث المبدأ، إغلاق الحساب نهائياً، وإنما عدم تمكين العميل من الجزء المحجوز. فإذا كان الرصيد يفوق مبلغ الحجز، وجب ألا يمتد التجميد إلى الزائد.

وقد أكدت المادة 583 قاعدة التناسب بنصها على أنه:

«لا يجوز أن يمتد الحجز لدى الغير إلى أكثر مما هو ضروري لضمان الوفاء بالدين».

فإذا كان الدين، مع فوائده ومصاريفه، يساوي مائة ألف درهم، وكان رصيد الحساب خمسمائة ألف درهم، فإن الأصل هو قصر الحجز على المبلغ الكافي لتغطية الدين، لا تجميد الحساب بكامله.

ويجوز للمحجوز عليه طلب قصر الحجز أمام قاضي المستعجلات. ويترتب على الأمر بالقصر احتفاظ الدائنين السابقين بأولويتهم على الأموال التي أبقي الحجز عليها، مع مراعاة الامتيازات القانونية الأخرى.

المطلب الثاني بطلان الوفاء اللاحق للحجز

منذ توصل البنك بالحجز، يمتنع عليه تمكين المحجوز عليه من الأموال المشمولة به.

وأي وفاء أو تحويل يجريه البنك لفائدة المدين، مع علمه بالحجز وفي حدود المبلغ المجمد، لا يكون نافذاً في مواجهة الدائن الحاجز، وقد يرتب مسؤوليته.

ولا يمنع الحجز البنك من تنفيذ العمليات التي لا تمس الجزء المحجوز، أو من تمكين العميل من المبلغ الزائد على الحجز، متى أمكن تحديده.

المطلب الثالث أثر الحجز على التحويلات اللاحقة

يثير الحساب البنكي المتحرك مسألة ما إذا كان الحجز يشمل فقط الرصيد الموجود لحظة التبليغ، أم يمتد إلى الأموال التي تدخل الحساب لاحقاً.

الأصل أن الحجز ينصب على ما يكون البنك مديناً به للعميل وقت نفاذ الإجراء. أما المبالغ اللاحقة فتتوقف على طبيعة الحساب والدين والعلاقة المستمرة بين البنك والعميل، وعلى مضمون الأمر أو السند ومحضر الحجز.

وفي غياب نص خاص صريح يقرر تجدد الحجز تلقائياً على كل إيداع لاحق، فإن الأكثر أماناً هو ربط أثر الحجز بالرصيد القابل للتحديد عند التبليغ والتصريح، ما لم يتعلق الأمر بدين متجدد أو مستحقات دورية ينص القانون على شمولها.

أما إذا كان الحساب الجاري لم يقفل بعد، فإن تحديد الرصيد النهائي قد يثير إشكالات مرتبطة بالعمليات السابقة التي لم تسو بعد، وهو ما يستدعي من البنك تقديم تصريح دقيق يميز بين:

المطلب الرابع الحساب المشترك

إذا كان الحساب مفتوحاً باسم شخصين أو أكثر، فلا يفترض أن كامل الرصيد مملوك للمحجوز عليه وحده.

ويجب التمييز بين:

فإمكان أحد الشركاء سحب كامل الرصيد في علاقته مع البنك لا يعني بالضرورة أن كامل الأموال مملوكة له في مواجهة باقي الشركاء والدائنين.

لذلك يتعين، عند المنازعة، تحديد نصيب المحجوز عليه وفق:

ويحق للشريك غير المدين المطالبة برفع الحجز عن نصيبه، ولا يجوز تخصيص أمواله للوفاء بدين شخصي مترتب في ذمة شريكه.

المبحث الخامس انتقال الحجز من مرحلة التجميد إلى مرحلة الأداء

المطلب الأول الحجز المؤسس على سند تنفيذي

جاء القانون رقم 58.25 بمقتضى مهم في المادة 580، مؤداه أنه إذا كان الحجز مبنياً على سند تنفيذي، يسلم البنك المبالغ المحجوزة إلى المكلف بالتنفيذ بعد انقضاء خمسة عشر يوماً من تاريخ تصريحه، ما لم ينازع أحد الأطراف.

ويترتب على ذلك أن الدائن الحائز لسند تنفيذي لم يعد مضطراً، من حيث الأصل، إلى المرور دائماً بدعوى مستقلة للمصادقة على الحجز.

وتتم المسطرة على النحو الآتي:

  1. تبليغ البنك بالحجز؛
  2. تصريح البنك داخل ثمانية أيام؛
  3. انتظار خمسة عشر يوماً من تاريخ التصريح؛
  4. تسليم الأموال إلى المكلف بالتنفيذ عند عدم وجود منازعة؛
  5. تسليمها قبل انتهاء الأجل إذا صرح المحجوز عليه كتابة بعدم رغبته في المنازعة.

أما إذا قدمت منازعة، فيجب على المحجوز عليه إشعار البنك بها داخل أجل الخمسة عشر يوماً، ويعرض الطلب على قاضي التنفيذ المختص، الذي يبت فيه بأمر غير قابل لأي طعن.

ويمثل هذا النظام تحولاً مهماً مقارنة بالمسطرة السابقة التي كانت تفرض، عملياً، المرور بمراحل أطول حتى في حالة وجود سند تنفيذي وعدم قيام منازعة جدية.

المطلب الثاني الحجز المؤسس على أمر رئيس المحكمة

إذا وقع الحجز بناء على أمر رئيس المحكمة، وجب على طالب الحجز، وفق المادة 581، تقديم دعوى المصادقة على الحجز أمام المحكمة داخل أجل ثمانية أيام تبتدئ من تاريخ إنجاز التبليغات المنصوص عليها في المادة 577.

ويرفق الطلب بـ:

وتفصل المحكمة في:

ولا يسلم البنك الأموال إلى الحاجز لمجرد صدور الأمر الوقتي، بل بعد صدور الحكم بصحة الحجز واكتسابه قابلية التنفيذ.

وقد نص القانون على تنفيذ الحكم الصادر بصحة الحجز بعد انتهاء أجل الاستئناف.

المطلب الثالث عدم كفاية الرصيد وتعدد الدائنين

إذا كان الرصيد غير كاف لتغطية جميع الديون، يودع البنك المبلغ الموجود لديه بكتابة الضبط، حيث يوزع على الدائنين بالمحاصة، مع احترام أسباب الأولوية والامتياز.

ويجب التمييز بين:

فالدائن الذي أوقع الحجز أولاً لا يتقدم بالضرورة على صاحب امتياز قانوني أقوى، وإن كان القيد السابق يحمي مركزه تجاه الدائنين العاديين اللاحقين في الحدود التي يقررها القانون.

المبحث السادس المنازعات المرتبطة بالحجز البنكي

المطلب الأول المنازعة في أصل الدين أو انقضائه

يجوز للمحجوز عليه الدفع بـ:

فإذا كان الحجز مبنياً على سند تنفيذي، تختص جهة التنفيذ بالمنازعات المرتبطة بإجراء التنفيذ، دون إعادة مناقشة ما حسمه السند وحاز قوة الشيء المقضي به.

أما إذا كان الحجز مبنياً على أمر وقتي، فإن دعوى المصادقة تتيح للمحكمة مناقشة أصل الدين وثبوته بصورة أوسع.

المطلب الثاني المنازعة في تصريح البنك

قد يدعي الحاجز أن البنك:

ويجوز للمحكمة أو قاضي التنفيذ، بحسب الحالة، التحقق من صدق التصريح والوثائق المؤيدة له.

أما السر البنكي فلا يجوز استعماله للامتناع عن تنفيذ أمر قضائي أو عن تقديم التصريح الذي يفرضه القانون، وإن كان يظل مانعاً من كشف بيانات تتجاوز ما تتطلبه مسطرة الحجز.

المطلب الثالث طلب قصر الحجز أو رفعه

يحق للمحجوز عليه طلب:

وتجيز المادة 582 للمحجوز عليه أن يطلب من قاضي المستعجلات الإذن بتسلم مبالغ من المحجوز لديه رغم الحجز، بشرط إيداع مبلغ كاف تحدده الجهة القضائية لضمان أسباب الحجز، متى أقر بالدين أو ثبتت مديونيته.

ويحقق هذا المقتضى توازناً عملياً؛ إذ يسمح للمدين بتحرير حسابه أو جزء منه مقابل نقل ضمان الدائن إلى مبلغ مودع.

المبحث السابع دور المفوض القضائي في الحجز على الحساب البنكي

لا يقتصر دور المفوض القضائي على تبليغ الأمر أو السند إلى البنك، بل يمتد إلى بناء المسطرة التي ستترتب عليها آثار مالية مباشرة.

وتشمل مهامه بصفة خاصة:

وتكتسب ساعة التبليغ أهمية خاصة عند تعدد الحجوز أو تنفيذ تحويل بنكي في اليوم نفسه. لذلك لم يعد إثبات الساعة مجرد بيان شكلي ثانوي، بل قد يكون عنصراً حاسماً في تحديد أسبقية الحجز ومسؤولية البنك.

خاتمة

أعاد القانون رقم 58.25 تنظيم الحجز لدى الغير بمنطق يقوم على التمييز بين حالتين: حجز يستند إلى سند تنفيذي فيتحول، عند عدم المنازعة، إلى طريق مباشر لاستخلاص المبالغ؛ وحجز يستند إلى أمر رئيس المحكمة فيظل إجراءً تحفظياً يتعين عرضه على محكمة الموضوع داخل أجل محدد.

ويظهر التجديد الأهم في تمكين البنك من تسليم الأموال إلى المكلف بالتنفيذ بعد مرور خمسة عشر يوماً على التصريح، متى كان الحجز مبنياً على سند تنفيذي ولم يقدم أي طرف منازعة. وبذلك اختصر المشرع مراحل كانت تؤخر التنفيذ رغم وضوح الدين ووجود السند.

وفي المقابل، عزز القانون ضمانات المدين من خلال:

كما شدد التزام المؤسسة البنكية بالتصريح، لكنه لم يرتب الجزاء مباشرة بعد أول تأخير، بل أوجب إنذارها ومنحها أجلاً جديداً، وهو ما يحقق التوازن بين فعالية التنفيذ وخطورة تحميل الغير ديناً لم يكن طرفاً فيه.

غير أن التطبيق العملي سيظل يثير إشكالات تحتاج إلى توحيد الاجتهاد القضائي، ولا سيما في شأن الحساب المشترك، ومصير الإيداعات اللاحقة للحجز، وتبليغ الحجز إلى وكالة غير ماسكة للحساب، وحدود السر البنكي، وكيفية تحديد الرصيد المتاح، وتمييز المبالغ المحمية قانوناً داخل الحساب المختلط.

ومن ثم، فإن نجاح النظام الجديد لا يتوقف على النص وحده، بل يرتبط بدقة محاضر المفوضين القضائيين، وسرعة تجاوب المؤسسات البنكية، ووضوح المنصة الإلكترونية، واستقرار اجتهاد قاضي التنفيذ بشأن المنازعات التي ستكشفها الممارسة.

التصنيفات: مقالات قانونية